ابو القاسم عبد الكريم القشيري
531
لطائف الإشارات
قوله جل ذكره : [ سورة الحج ( 22 ) : آية 6 ] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 6 ) اللّه هو الحقّ ، والحق المطلق الوجود « 1 » ، وهو الحق أي ذو الحق . « وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى » أي الأرض التي أصابتها وحشة الشتاء « 2 » يحييها وقت الربيع . ويقال يحيى النفوس بتوفيق العبادات ، ويحيى القلوب بأنوار المشاهدات . ويقال يحيى أحوال المريدين بحسن إقباله عليهم . ويقال حياة الأوقات بموافقة الأمر ، ثم بجميل الرضا وسكون الجأش عند جريان التقدير . قوله جل ذكره : [ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 8 إلى 9 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ( 8 ) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ ( 9 ) دليل الخطاب يقتضى جواز المجادلة في اللّه إذا كان صاحب المجادلة على علم بالدليل والحجة ليستطيع المناضلة عن دينه ، قال سبحانه لنبيّه : « وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ » ومن لم يحسن مذهب الخصم وما يتعلق به من الشبه لم يمكنه الانفصال عن شبهته ، وإذا لم تكن له قوة الانفصال فلا يستحبّ له أن يجادل الأقوياء « 3 » منهم ، وهذا يدل على وجوب تعلم علم الأصول « 4 » ، وفي هذا رد على من جحد ذلك . قوله جل ذكره : ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
--> ( 1 ) ( الحق المطلق الوجود ) هذه عبارة لم تصادفنا من قبل في أي مصنف القشيري ، ونحن نعطيها أهمية خاصة إذا تذكرنا أن هذا اصطلاح لأرباب وحدة الوجود ، فهم يعتبرون الوجود المطلق للحق وما عدا فوجوده نسبى متكثر متعدد ، وهذا لا بأس به ، ولكن النتائج التي رتبوها عليه خطيرة . ونظن أنها ( الموجود ) بدل ( الوجود ) بدليل ما سبق ذكره عند تفسير الآية « فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ » من سورة طه وكنا قد أيدنا ذلك بما ذكره في كتابه « التحبير في التذكير » . ( 2 ) هكذا في م ولكنها في ص ( الشقاء ) بالقاف ونحن نؤثر الأولى لأن المقصود المقابلة مبين الربيع و ( الشتاء ) . ( 3 ) هكذا في م ولكنها في ص ( إلا قوما ) . ( 4 ) في هذا وفيما بعده رد على من يتهمون الصوفية بمجافاتهم للعلم ، وعدم احترامهم للعقل ، كما أن فيه ردا على قضية أنارها بعض المتكلمين حول وجوب أو عدم وجوب تعلم المسلم أصول التوحيد كي يصح إيمانه ، ومدى ما يكون عليه إيمان العامة الذين لا تتاح لهم فرصة هذا التعلم .